القائمة الرئيسية

الصفحات

 أجلس خلف طاولتي أتطلع لأوراق القضية المطروحة أمامي، أنا لا أصدق أن فتاة برقة الفراشة تقتل، ملامحها الفاتنة تبوح ببراءة لا تجدها في يافعة السن مثلها، بدأت أقرأ أوراق القضية، تخطيت أسئلة التعريف وذهبت لسؤال وكيل النيابة لها عن مجريات الحادث، بدأت الفتاة تحكي وكأنها كانت تنتظر فك أسر لسانها المسجون منذ زمن وتقول: كنت الصغرى بين إخوتي، مدللة أبيها والأقرب لقلبه، مجلسي كان على فخذه ورأسي مسندة إلى صدره ويحاوطني ذراعه بحنان وعيناه بفخر

- فتاتي اليوم ختمت القرآن حفظًا

- ابنتي تبحث في الفلك وهي لا تزال طفلة العشر أعوام 

- لا أحد منكم يقترب من أخته بسوء، حبيبة قلب أبيها لا تهان على حياة عينه 

الكثير والكثير من الحنان، الله الله يا أبي كم أنت جميل، رائع، تحبني، أشكر الله أن رزقني إياك... هراء 

كل هذا قد تغير، لم أعد أعلم متى، ولكن مداركي قد تفتحت وأصبحت أكثر وعيًا، رجل يتم التحكم فيه بكلمة، بالأمس كانت أمه تمسك زمامه فيغلظ القول والفعل إلى زوجته، واليوم زوجته تمسك زمامه فيسئ للجميع، لا عقل يحكمه، لا يتحرك إلا بتوجيه من امرأة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل ساءت طباعه التي كنت أحمدها، تحول من الإيثار إلى الأثرة، ومن الجود إلى الإمساك، ومن القنع إلى الطمع، المال... لا يتكلم إلا عن المال، يفتعل المشكلات لأجل المال، 

-عندما تتخرجين وتعملين ستعطيني من راتبك أليس كذلك؟

- درجاتك سيئة هذا العام، لن أعطيكي سنتًا واحدًا ولن أشتري لك خيطًا

- من أخذ خمس جنيهات من محفظتي؟ تالله لن أترك لكم قرشًا تطاله أيديكم يا لصوص 


إيهٍ يا أبي، وايم الله ليس هناك لصًا سوى الزمن، من أخذ أبي وجلب لي ذلك الرجل؟ أين سندي وحبيبي؟ أين من كان يدللني؟ أسرقتم أبي مع تلك الخمس جنيهات؟! سأعطيكم عمري ومالي عندما أعمل ولكن ردوا إليَّ أبي.

يمر الزمن، وأكبر وهو يكبر، أصبحت من طفلة إلى فتاة، وهو أصبح يعاملني كأني فضيحة، يده التي كانت تحنو بالأمس صارت سوطًا يؤلمني، لسانه ذا المديح بات ثعبانًا يبث سمومه على مسامعي، إن رآني أتحرك في المنزل يعترض طريقي ويتندر عليّ حتى يستفز طبعي النزق، وعندما أثور يضربني، قسوته تزداد وعنادي يزداد، المعركة طاحنة بين أب وفتاته المدللة والتي أصبحت ثائرة، حتى جاء يوم الحادث، بدأ بتفتيش هاتفي، ومن ثم التعليق على محادثاتي مع صديقاتي، ثم وجدني أشكو لإحداهن من سوء معاملته لي، فانهال عليّ ضربًا بالشمال وباليمين، وراغ يركلني حتى نزفت دمًا، فتحاملت على نفسي ووقفت لأهرب من بين يديه، وهرعت جريًا في الشقة حتى دخلت المطبخ، وكان الزيت يغلي على النار فأخذته وألقيته عليه، تشوه وجهه وصار يصرخ كليث جريح، حتى سقط على الأرض، ولسوء حظه كان على الأرض سكينًا قد وقع فدخل في ظهره، مات الرجل، وأنا هنا الآن أعاقب على دفاعي عن نفسي، لم أعد أعلم هل أنا مذنبة حقًا أم بريئة


مسحت عبرات تساقطت على حين غرة من عيني، مؤلم أن تحتمي بجدار يميل حتى يسقط على رأسك، مؤلم أن تعيش حياتك «بقايا إنسان» أنا أيضًا لم أعد أعلم هل الفتاة مذنبة أم بريئة؟

#أزمة_مجتمع

أسماء جاب الله


تعليقات

التنقل السريع